المتفاجؤون على الطريق السريع
م. وائل عادل
صراخ وبكاء وعويل يرج الفضاء... حالة من الوجوم غلفت وجوه سكان القرية. فقد قُتل مسعود ريحانة القرية، ذلك الطفل الذي لم يتجاوز العشر سنوات... لم تكن الجريمة الأولى، و بالتأكيد لن تكون الأخيرة، فطريق السفر السريع تجتاحه السيارات بسرعة لا توصف، والأطفال يضطرون إلى عبوره كي يصلوا إلى مدرستهم.
بنهايةالعزاء اجتمع أهل القرية، يتزعمهم ذلك الشاب الذي يدرس في المدينة وكان قد عاد للتو من الجامعة.
سألهم: متى كان آخر حادث على الطريق السريع؟
أجابوه: منذأسبوع تقريباً؟
نهرهم وقد ضاق ذرعاً بهم: و ماذا فعلتم من أسبوع حتى اليوم بعد أن بكيتم آخر مصاب ونصبتم له سرادق العزاء؟ منذ عقود وأنتم تشاهدون هذه المأساة تتكرر... فهل تتوقعون أن تتغير قوانين السير على الطريق من تلقاءنفسها؟!
توقفتُ بعد هذا المشهد عن متابعة فيلم " المتفاجؤون على الطريق السريع"... أغلقت التلفاز ثم شرعت في الكتابة.
أحياناً تتعرض المجتمعات لأزمات مفاجئة، وتدفع تكلفة المفاجأة لعدم استعدادها، كأن تعجز عن إنقاذ طفل فرمته سيارة مسرعة، لا بأس في ذلك.. لكن ما يميز مجتمعاً عن آخر هو مدى جديته في التفكير بعد الأزمة في إضافة معطيات جديدة للطريق كي لا يتكرر الأمر بعد أسبوع.
فإذا أردتَ اختبار جدية أي مجتمع في سعيه نحو التطور فانظر إلى ملامح وطبيعة الطريق السريع لديه قبل وبعد الأزمة.
فالمجتمعات العابثة تصرخ "ما الحل؟" أثناء الأزمة "المكررة المفاجئة".
ولا تبدأ التفكير في إنقاذ ضحاياها إلا حين تكون السيارة على بعد نصف متر منهم وقد سنت أسنانها توشك أن تبتلعهم. فهي مجتمعات تعتمد "الفهلوة" منهجاً.
تريد نجاحاً بلا مذاكرة، واغتصاب الجنة بلا عمل. تدفع الطفل إلى الطريق، ثم تختبئ خلف جفنها مغمضة عينها، تخال أنها بذلك أطفأت النور كي لا يُرى الصغير، عبثاً تظن أن الطريق اختفى من الوجود لمجردأنها أطبقت جفنيها. فالظلام لا يخيم إلا عليها، أما السيارات فلا تزال مفتوحةالعينين تحملق في الطفل متوعدة.
فجأة يندلع الصراخ... ويتباعد الجفنان من جديد ليدخل النور وتُبصَر الحقيقة.. الصغير يلفظ الروح.. والمعجزة لم تحدث... فالطريق لم يبتلع السيارات!! إنها إذن خيانة الطريق!!
أما المجتمعات القوية فتتعلم من الأزمة، وتعتبرها تحدياً دافعاً لتطورها، فتتعامل معها ابتداء بحلول سريعة للحيلولة دون استفحال خطرها، محاوِلة إنقاذ الطفل بعد الحادث بكل ما أوتيت من جهد، لكنها تفكر بعد الأزمةفي كيفية الحيلولة دون تكرارها، وتبدع وسائل التصدي لها إن حدثت.
وشباب هذه المجتمعات لا يدمن الأفكار الكحولية التي سرعان ما تتبخر في الجو، بل يسعى بعدالأزمة لخلق بنى تحتية مناهِضة للأزمة و متجذرة في المجتمع، بحيث تصبح جزءاً أساسياً من تكوينه لا عملاً طارئاً، ومصلاً فعالاً مستمراً لا دواء مُسَكِّناً مؤقتاً،كتثبيت أعمدة إنارة راسخة في بنية المجتمع تنير الطريق، أو صناعة مطبات كمحاولة لعقلنة السيارات المجنونة، أو تثبيت إشارات تشير إلى وجود المدرسة، أو بناء جسر يعبر عليه المشاة، أو تكوين فرق مستعدة للإسعاف على طول الطريق، وهناك مئات السبل الممكنة إن أقسم العقل أن الأزمة لن تتكرر من جديد.
وعندما تحاول الأزمة مهاجمة مثل هذا المجتمع مرة أخرى فإنها لا تلبث أن تتراجع، إذ تتوهم أنها ضلت الطريق، فمسرح الأحداث قد تغير تماماً، والطرق تبدلت، والمجتمع مستعد لمواجهة الأزمة بترسانة أسلحة من الأفكار والمشاريع والأمصال التي لا تخطر لها على بال.
وضعت قلمي على سفح ورقتي... فقد نفد الحبر أو ربما ملَّ من كلامي، كان آخر سطر كتبته موجَّها ًإلى أولئك المتفاجئين جاحظي العيون، الذين يعلنون كل يوم المفاجأة المذهلة، فقداكتشفوا أخيراً أنهم شرهون لتنفس الهواء، ويرتوون بعد تجرع الماء. لكنهم لا زالوا يتساءلون... لم لا يتغير الواقع؟ أخبرتهم أن اضطراب الواقع هو النتيجة الطبيعية لاضطراب أفعالهم.. ثم دعوتهم إلى طرح السؤال بصيغة أذكى.. ما الذي يدعو الواقع للتغير؟
عدت لمشاهدة الفيلم.. يبدو أنه أوشك على الانتهاء.. لكن ما هذا المنظر العجيب؟ السيارات تصطف بازدحام على الطريق السريع دون أية حركة تُذكر.. معقول؟؟ إشارة مرور ضوئية حمراء على طريق السفر السريع؟! لقد لَقَّن أهلُ القرية السياراتِ الأدب.


رد مع اقتباس
مواقع النشر (المفضلة)